آراء حرة

عبدالحليم المسعودي يكتب عن صورة لمحمد علي الحامي

دكربتاج : "لزْرقْ، حجَرْ الوادْ" ... أو الفهد الضاري
بقلم : عبد الحليم المسعودي 
أولا: بديعة هذه الصورة الفوتوغرافية من ناحية الضوء والظلمة، وفصيحة على لسان الجدل القائم بين الأسود الداكن والأبيض الناصع والرمادي بدرجاته جميعها. وبديعة هي في غلالة بروتوكولها الحازم في الثبات المتفاعل مع لحظة الالتقاط التاريخي الذي لن يتكرر في ذهن الأوبيراتور، أي ملتقط الصورة وكأنه يدّخرها للشهادة والمشاهدة. والحزم الفوتوغرافي كامن في كون شخوصها في حالة من التهيّبِ المتفلّتِ والمُتنقلِ من وجه إلى وجه للشخوص الماثلة في الإطار. ولعل هذه الصورة الفضيّة تعبّر ببلاغة تقنية ما عن نضج تقنية الصورة الفوتوغرافية الفضيّة منذ ميلادها الشّبحي في القرن التاسع عشر وثبات فاعليتها في مطلع القرن العشرين وصولا إلى العشرية الثالثة منه. والصورة منذ الوهلة الأولى ضاجّة ببلاغة المدرسة الطبيعية (Le Naturalisme) التي تطبع الحقيقة كما هي وبمثل ما تسمحُ به حساسية العدسة, و ضاجّة أيضا بحشد من صور المجتمع البرجوازي و أساطيره الطيفية التي تُحيلنا إلى عوالم المحنة الدريفوسية (نسبة لقضية الضابط الفرنسي دريفوس Dreyfus ) وخزانات إيميل زولا Emile Zola في فن الفوتوغرافيا والرواية الطبيعية التي أحسن توضيبها كموثق أرشيفي محترف. وأني (شخصيا) وخارج كل موضوعية والتزام بالموضوع (أي موضوع؟) و أنا أتامل هذه الصورة تتردد في ذهني كالصدى و بشكل حفيفي عبارة إيميل زولا أو عنوان مقالته الشهيرة: " J’accuse …J’accuse …j’accuse " . 
الصورة مرتّبة عناصرها بشكل سيمتري قائم على تواز عجيب ضمن محصلة الصورة الجماعية. وندرك هذا التوازي في هيئة الذوات الأربع الجالسة على المقعد الجماعي للمتهمين في المحكمة ,وقد ارتسمت وراء كل شخصية ظلها أو قرينها، وما ظلها إلا بقية الشخصيات الواقفة على رؤوسها وبشكل سيمتري بديع ربما كان ذلك من ترتيب الصدفة. فمن يسار الصورة إلى يمينها ندرك أن البوليس الجالس له ظله الواقف أي بوليس آخر، والرجل الثاني الأنيق بشاربيه له من وراءه قرين والرجل الثالث النحيف وراءه من يماثله في السّحنة ودقة ربطة العنق والرابع بشاربيه وشاشيته له ارتسامه في هيئة الواقف وراءه بنفس الملامح والشاشية، أي أربع بأربع، باستثناء البوليس المتلصص في الخلفية والذي لا أخاله إلا ظل لظل البوليس الجالس في المقدمة. 
هذه صورة أنطولوجية أخرى لا يمكن الاستغناء عنها أو نزعها من المدونة التاريخية التونسية المعاصرة. ولا يمكن للوعي التاريخي أن يسقطها من إدراكه وتمثله للتاريخ السياسي والاجتماعي المعاصر للبلاد التونسية. صورة قلما يعرفها الجمهور التونسي بمقابل معرفته بصور الحركة الوطنية التونسية. وأكاد أقول إنها صورة مغيّبة في كتب التاريخ التونسي "الرسمي" المعاصر. وقد يعود الأمر ربما لكونها صورة متعلقة بتاريخ ميلاد الحركة النقابية التونسية وتقاطعات هذه الحركة مع الحركة الشيوعية. و هو ما جعل المؤرخ التونسي الرسمي يستعمل غرباله الانتخابي ليدون تاريخا يعقوبيا ناصعا للحركة الوطنية دون استذكار روافدها وخلافاتها الأيديولوجية، و ربما ضمن استراتيجية الاستحواذ الأيديولوجي والزعامتي للحزب الدستوري الذي صاغ تاريخا إقصائيا لفكرة الاختلاف و التنوع المتعلق بالمعركة الوطنية, وهذا ما حدث بشكل ممنهج في تهميش هذه الروافد النقابية والشيوعية, و أقول حتى الفوضوية و تهميش دورها في الحركة الوطنية سواء في مجابهتها للاستعمار أو في بناء الشخصية التونسية القاعدية باعتبارها مرجعا في بناء الهوية التونسية و بناء الدولة الوطنية لاحقا.
الصورة هذه من مجموعة صور فكتور سباغ Victor Sebag الفوتوغراف التونسي اليهودي الشهير الذي سبق وأن ذكرناه في مقالة سابقة (أنظر مقال "عوينة" بانكتوم الغيرية)، و قد التقطها في 12 من شهر نوفمبر عام 1925 في المحكمة الجنائية بتونس لمجموعة المتهمين من النقابيين والشيوعيين بتهمة التآمر على أمن و سلامة الدولة الفرنسية الاستعمارية. وتمتاز هذه الصورة بجودة عالية في التصوير الفوتوغرافي والكادراج وقد يعود الأمر لتمكن صاحبها من آلات حديثة للتصوير ويبدو أن هذه الصورة طلبية من طلبيات إدارة الإقامة العامة الاستعمارية التي كان يتعامل معها المصور نفسه فكتور سباغ أو ربما لبعض وكالات الأنباء الأوروبية.
ثانيا : و تضم الصورة كل من الزعيم النقابي التونسي محمد علي الحامي مؤسس أول نقابة تونسية و المعروفة تحت اسم جامعة عموم العملة التونسية (La CGTT) جالسا و على يمينه النقابي مختار العياري و على يساره النقابي الفرنسي جون بول فينيدوري Jean Paul Finidori, رئيس الجامعة الشيوعية (La Fédération communiste) ومدير جريدة المستقبل الاشتراكي (L’Avenir Socialiste) . و من ورائهم وقوفا ثلة من المحامين التونسيين التي تذكر المصادر التاريخية أسمائهم كـــ صالح فرحات والطيب جميل و أحمد الصافي و المحامين الاشتراكيين الأجانب مثل كاسترو Castro و فواسان Foissin و ديران أنجليفيال Duran – Angliviel و فيفاني Vivani إلى جانب حضور البوليس الفرنسي.
وقد جاءت هذه المحاكمة على إثر الإضراب الذي قام به عمال منطقة بونتانفيل (برج السدرية) وفي معمل "تارم" (Thermes) لشركة الجير والإسمنت بحمام الأنف والذي اتهم فيه الماثلون أمام المحكمة بالتحريض على الإضراب والإشراف عليه والسعي إلى المس من أمن السلطات الفرنسية وبث الفوضى عبر الإضرابات, وقد كانت الاتهامات موجهة خاصة للثنائي الأخطر الحامي وفينيدوري ثم الثالث مختار العياري ...فينيدوري الكورسيكي المعروف لدى السلطات الاستعمارية بكونه الشيوعي الأخطر المحرض على الدولة الفرنسية الاستعمارية بتعليمات من الأممية الثالثة في موسكو وعلاقته الغامضة مع الفوضويين والمنادي جهارا نهارا باستقلال تونس والمعروف بشتمه للمقيم العام الفرنسي و الموصوم بالخائن بلده, بلده الاستعماري و رسالته الحضارية المقدسة .
محمد علي الحامي المشتبه فيه أصلا من السلطات الفرنسية لغموض مرجع مقدمه سواء المقدم التركي و علاقته بوزير الحربية العثماني أنور باشا و زعيم حركة الاتحاد و الترقي و المنتسب لجمعية تركيا الفتاة المعادية محوريا لفرنسا , و علاقته الغامضة بالأمير الدرزي شكيب أرسلان و تردد محمد علي "النادي الشرقي" و نشاطه الإسلامي الغامض في برلين إلى جانب مقدمه من معقل الأفكار الثورات الأوروبية برلين ومناخات الثورة الاشتراكية السبارتكية المغدورة بقيادة كارل لايبناخت Karl Liebknecht وروزا لوكسمبورغ Rosa Luxembourg .
محمد علي الحامي المشتبه فيه أصلا في علاقاته الغامضة بالشيوعيين والفوضويين وهو المتجرئ على تأسيس وتنظيم نقابي تونسي مستقل و متمايز عن النقابات الفرنسية و المنسلخ أصلا عن الكونفدرالية العامة للشغل الفرنسية CGT . تنظيم عمالي تونسي غامض الأهداف سياسيا في نظر السلطات الاستعمارية بعكس الأحزاب السياسية التونسية المهادنة كالحزب الدستوري (القديم) والحزب الإصلاحي (حسن القلاتي) اللاهثة وراء المفاوضات السلمية مع المستعمر.
مختار العياري، أحد أهم النقابيين الرواد المساهمين في تأسيس جامعة عموم العملة التونسية إلى جانب الطاهر الحداد و أحد توفيق المدني في 01 نوفمبر 1924 في إحدى القاعات بنهج الجزيرة . "العياري" الشيوعي المبكر، والنقابي المتمرس والخبير بتباين الاشتراكيين والشيوعيين، المولود في رأس طابية وسليل أولاد عيار وربعهم الشاهق في مكثر في مرتفعات سليانة بالشمال الغربي. وحضوره هنا في هذه الصورة باعتباره متورطا في التحريض على الإضرابات. محارب قديم في الجيش الفرنسي في الحرب الكبرى. نقابي في الترامينو (اشتغل مراقبا في شركة الترامواي) منخرط في الاتحاد الإقليمي للكونفدرالية العامة للشغل CGT ثم في الكونفدرالية العامة للشغل الموحد CGTU. مشرف على الجرائد الشيوعية الناطقة بالعربية و المندثرة سريعا (حبيب الأمة، حبيب الشعب، المظلوم), منظم إضرابات متمرس (إضراب شركة الترامواي، إضراب عمال الرصيف بتونس، إضراب عمال الرصيف ببنزرت) مبعوث الدعاية المحنك لجامعة عموم العملة التونسية في التحريض و التعبئة, المتدرب على الطرد و المحاكمات ...تلك هي الصورة العامة للماثلين أمام المحكمة و التي انتهت بنفيهم جميعا, محمد علي الحامي إلى تركيا و مختار العياري إلى مصر و فينيدوري إلى إيطاليا. والأهم من كل ذلك تنتهي واقعة هذه الصورة بالقضاء على أول إتحاد نقابي للعملة التونسيين لحما ودما. 
ثالثا: أصعب دكربتاج في الصورة الفوتوغرافية حسب رأيي هو الصورة الجماعية (Photo de groupe)، أي صورة أفراد يتهيؤون لأخذ صورة جماعية. كل صورة جماعية فيها شحنة من التمسرح إما من الموضوع وهو يدرك أنه موضوع للصورة فيحاول هذا الموضوع التهيأ للعدسة ويقلل بذلك من تلقائيته وقد يبالغ في فعل "التهيئية " (La pose)، أو أن تمارس ذات المصور على الموضوع نوعا من الأسلوب التمسرحي وفق تصوري ماقبلي في ذهنه فينزع عن الصورة طابعها البريء أو طابعها الموضعي (In situ) بالمعنى العام للموضعية (Situationnisme) العامة.
ومن عراقيل قراءة الصورة الجماعية أيضا هو مشكلة التشتت، أي تشتت الذات القارئة التي تواجه معرض الوجوه المعروضة داخل الإطار إذا ما اعتبرنا الصورة الجماعية عموما هي بورتريهات فوتوغرافية مجموعة أو مضمومة في إطار فوتوغرافي واحد. وفي حالة مواجهة العين القارئة للبورتريه أو للبرتريهات في الصورة الجماعية فإن أصعب شيء في القراءة هو مواجهة نظرات الشخوص الماثلة في الصورة، ودون ذلك فإن كل ما تبقى من تفاصيل يمكن فك تشفيرها في سياق القراءة العامة للمشهد. ذلك أنه وضمن الثالوث المركب للعلاقة بين الفوتوغرافيا والتلقي التي يضبطها رولان بارت Roland Barthes في"الغرفة المضيئة" (La chambre claire) بين الأوبيراتور (Operator) والسبكتروم (Spectrum) والسبكتاتور (Spectator) فإن ما يعسر التعامل معه في هذا الثالوث هو هذا السبكتروم, والذي يسميه بارت " الأيدولون " (eidelon) أي هذا الطيف أو الشبح وهو بمثابة المرجع الدال على الذات الحقيقية الغائبة المصورة. ولكون هذا السبكتروم يحمل في طياته اثيمولوجيا أثر معنى الفرجة (Spectacle) فإن بارت يشير إلى حقيقة مرعبة وهو عودة الموت من خلاله في الفوتوغرافيا أي في الفوتوغرافيا كلها. وهو ما يعني أن نظرة الذين رحلوا في البورتريهات لا تكاد تخرج من نطاق ذلك اللوم الموجه للمتفرج. لوم له علاقة بالنسيان وما يكتنفه من ندم نلمسه دائما حين نشاهد عيون الذين غادرونا وهم ينظرون إلينا بتلك النظرة الثابتة والباردة واللوّامة في تلك الصور. وهذا ما يحدث دائما وكأنها نظرات استغاثة.
لكن هذه النظرة قد لا تكون نظرة لوّامة بالضرورة خاصة حين يتحول هذا السباكتروم إلى متفرج بدوره فنتقلب العلاقة ونصبح نحن محل الفرجة إذا ما ارتبط ذلك بدرجة الوعي التاريخي تجاه تلك النظرة وما يحصل عادة في تلك الصور الأنطولوجية في ألبوم الذاكرة التاريخية لأمة ما وهو ما ينطبق على هذه الصورة بالذات التي تؤرخ لمحاكمة زعيم الحركة النقابية محمد علي الحامي. هذه الصورة الفريدة التي لا تلتزم باستعادة " الأيدولون" لفكرة الموت والغياب بقدر ما تستدعي الأيدولون بوصفه عنفا فكريا للشهادة التاريخية وحرونها. 
التحديق في نظرات الشخوص في الفوتوغرافيا من "أعذب" المهام التي يواجهها المتفرج. الأعذب هنا من العذوبة والعذاب، العذوبة هنا كامنة في كل ما تبقى من ألق تلك النظرة في لحظة ارتسامها في الغرفة الداخلية للعدسة وانطباعها على "البليكول"، والألق هو تلك الغرابة الغامضة التي تكتنف النظرة نفسها بوصفها "أنطولوجيا" أي ذاك الوجود الغامض والماكر لصاحب النظرة نفسها. و العذاب كامن في مواجهة تلك النظرة الطيفية الشبح، نظرة السبكتروم التي تظل تنظر إلينا من عالم آخر قد تلاشى تماما بدون عودة لكنه يصر على مقاومة للبقاء خاصة إذا كان أصحاب هذه النظرة قد رحلوا عن الوجود و باتوا إذا كنا نعرفهم يعاتبوننا عن إثم قد اقترفناه , ربما إثم إعادة التحديق إليهم .
رابعا: ولكن لنعد إلى "الموضعية". فإنه إذا كان التيار الطبيعي مع إيميل زولا في الأدب و أندري أنطوان في المسرح مدين للفوتوغرافينا ، فإن ما ننساه دائما كون الفوتوغرافيا هي واضعة حجر الأساس مبكرا قبل ظهور تيار "الموضعية" المعلن عن نفسه عام 1957 كتيار فكري احتجاجي جمالي وسياسي. الفوتوغرافيا أكبر فن فاضح بطبيعته لمجتمع الفرجة و لحياته اليومية أو المجتمع "الفرجوي – البضائعي " على حد صياغة غي ديبور Guy Debord. كلما كانت الصورة "في الموضع" كانت أكثر دلالة على ما تروم ولا تروم أن تكشفه. لكن أهمية الصورة الفوتوغرافية ومن منطلق الوعي التاريخي وضمن التفكير الموضعي كونها تمنح للقارئ إمكانية التفتيش في هذه الفرجة البضاعة. وإذا كانت كل صورة فوتوغرافية هي بمثابة البضاعة القابلة للتصريف، فهذه الصورة التي أرادها صاحبها وثيقة للسلطة الاستعمارية ولاستعمالاته المختلفة، تعود اليوم لتكون مادة لإعادة قراءة التاريخ، تاريخ فترة حاسمة من التاريخ التونسي المعاصر و تعديل و تنسيب كتابته. وإثراء كتابة التفاصيل فيه. وكتابة التفاصيل هي الأهم في رأيي في كتابة التاريخ، وأعتقد جازما أن جزءا من القراءة الأيقونية – التي لا ندعي القدرة على إتقانها – تساهم بشكل ما في كتابة هذا التاريخ اللامرئي رغم اعتماده على الصورة الفوتوغرافية موضع الرؤية كلها ... الصورة الفوتوغرافية أهميتها فيما هو غير فوتوغرافي أي لا مرئي. حول الشغف بالفوتوغرافيا يُذكّر جيروم ثيلو Jérome Thélot في كتابه "نقد العقل الفوتوغرافي" برواية " الأبله" لدوستيوفسكي Dostoïevski بسؤال إحدى الشخصيات حين يتساءل : " هل من الممكن إدراك في الصورة ما هو ليس بصورة ؟". وكأن الشغف بالفوتوغرافيا لا يجد معنى له إلا في التورية عن ما تحجبه الفوتوغرافيا لأنها لا تستطيع إلتقاطه و تسجيله أو طبعه في الإطار. 
إذن ثمة ما يرى وما لا يرى في هذه الصورة الفوتوغرافية وما لا يرى ليس بالضرورة غائب عن الإطار ولكنه لا يكشف عن نفسه بمجرد الرؤية, رؤية السطح الفوتوغرافي داخل الكادر. وإذا كان من نقد موضعي يمكن إجراءه هو البحث عما لا يرى في كل صورة فوتوغرافية جديرة بالقراءة. 
خامسا: وضمن هذا الذي لا يرى، لا يمكن إلا القيام بمسح لسطح الكادر في هذه الصورة. والظاهر أن الصورة قائمة بالأساس في نظر ملتقطها فيكتور سباغ على شخصية فينودوري المتألق في قلب الكادر بعصاه الموسوية (إكسسوار الكاريزما) وسيجارته. والناظر للصورة يدرك مناخ التواطؤ بين المصور وبين فينيدوري التي لا تخفي العلاقة ما بين الرجلين. فهو النجم بلا منازع ببياض سحنته وهيئته الأرستقراطية المخاتلة وحضوره في الصورة بمثابة البؤرة التي يتكوكب حولها كل شيء خاصة وأنه يتعمد النظر ويدرك أنه نجم هذه الصورة. والتواطؤ مع المصور مرتسم على وجه البوليس الجالس أيضا إلى جانب فينيدوري وهو يتعمد مد قدميه اليمنى كحاجز صاد لبقية الجالسين إمعانا في ابراز سلطته الزجرية والتي يعبر عنها البوليس الواقف بشكل حازم بوقته المضحكة تلك ووضع يديه على حاجز المرافعة الخشبي بوصفه سيدا للمكان وكأنه في ذلك يزاحم الواقفين إلى جانبه ليكون في قلب مجال عدسة الكاميرا.
المحامي الأجنبي الواقف وراء محمد علي الحامي في كامل وعيه بالصورة الجماعية يختار هيئة انحناء الجسد والتفاتة الوجه للعدسة ليخلد حضوره التاريخي المتمايز عن الآخرين، المحامي الثاني غير منتبه للكاميرا وبجانبه المحامي التونسي (لا ندري من هو من بين المترافعين، فرحات؟ أو جميل؟ أو الصافي؟) يلقي بنظره فقط إلى عدسة المصور دون أي قصد ليكون في الصورة لكن العدسة تسجل "فخامته" واعتداده و "وهرته" الظاهرة بلباسه التقليدي. مختار العياري الجالس على يسار محمد علي ينظر بعينيه الشهلاوين إلى العدسة برصانة الرجل الهادئ الذي أنضجته التجاريب وكأنه بهيئته تلك يروض العدسة لتلتقط أجمل ما فيه وهو التواضع والشعور بالرضا عن النفس والكرامة.
ولكن الشخص الذي يكاد ينفلت من المشهد كله هو محمد على الحامي. 
كأنه ثقب أسود يمتص الصورة كلها، امتصاص سالب لقوّة جوّانية كامنة فيه، لها علاقة بهالة غموض لا مرئية محيطة. نظرته للعدسة هي الثقب الأسود الذي يبتلع المشهد كله رغم خدمة سحنته الداكنة للبياض بحكم التباين القائم بينه وبين نظارة وجه فينيدوري الذي يعكس الضوء كله والنصاعة التعديلية الهادئة لمختار العياري البوذية. صورة محمد علي الحامي مربكة إلى حدود قصية في الغموض والتكتم. 
وجهه الملوح بالشمس وندبة خدّه الأيمن تكاد تنقض على الناظر له من العدسة. 
تحفزه الصارخ بصمت كأنه يتنفس كل الحقد وكل الغيض وكل الشعور بالانكسار والخيبة التي لا يدرك ممراتها إلا هو. مرارة يحسن محمد علي تكثيفها في هذه النظرة، نظرة الفهد الأسود الضاري. نحافة جسده نحافة جارحة ومسلولة كشفرة لتمزيق الآخرين، تمزيق الأجساد المكتنزة والشبعانة المتواجدة من حوله. وجهه المعضّم يكتنز كل الرسائل البليغة للشعب المتضوّر تحت نير الاستغلال والقهرو الحاجة.
نحافة محمد علي الحامي بلاغة في الفصاحة، فصاحة الصمت المطالب بالحق. اتقاد عينيه بتلك الطريقة الغامضة وهو ينظر للكاميرا حشدٌ من صرخات الاحتجاج والعصيان العام في الشوارع. حزنه البادي حزن الرجل المغدور والمخدوع من قلة السند وانكسار الظهير ومهادنته للمستعمر.
دكنة بشرته بمقابل البياض المنتشر في وجوه من حوله توقيع للغربة في الوطن رغم التأصل في ثنايا الحدب والصوب أي الجنوب منقوعا ككسرة خبز خشن في زيت مضيء. 
دكنة بشرته الاستثنائية في المشهد قاعدة المتربص بالعصيان وبالثبات وبالمجاهدة. أنها دكنة سُمرة , سُمرة زُرقة , زُرقة أولئك "الآفاقيين" المحترقين بالشمس في المنافي الداخلية الذين تسيرهم الأقدار في اجتراح المفاصل للحقب التاريخية حين يكونون الحجارة الزرقاء التي تُحدثُ القطائع في التاريخ , زرقٌ كحجارة الوادي الباقية على حالها في سرير الوادي بعد مرور فيضان الأحداث . سُمرة سحنة محمد علي الحامي سُمرة عاوية لو تناولها عبد الرحمان الكافي في ملزوماته لكان مطلعها:
" لزرق يا حجار الواد ...حار فيك الطحان والقواد "
... سمرة محمد علي الحامي سمرة أصلية أوتوكتونية تكاد تكون نفس السمرة أو الزرقة التي نراها في سحن محاربي الهنود الحمر من الآباش و الشيروكي , سمرة "الزنديانات " في الغرب الأمريكي البعيد حيث الأحلام يصطادها النائمون وهم منتبهون بشباك الريش.
سمرة متناقضة تماما التناقض الصارخ مع الأناقة المحتشمة، نصاعة القميص وتأنق ربطة العنق من بقايا الهندام البرليني. ثمة استنفار هادئ على وجه محمد علي، استنفار محير وملغز لا تلطف منه إلا طريقة وضع اليد على الركبة بتؤدة بذات الأنامل الدقيقة التي لم تلامس مفاتيح البيانو. اعتمار الكبوس التونسي على رأسه بتلك الطريقة " الفانتازية " استفزازية لنواميس تقاليد أكابر الحاضرة المولعين بالشاشية المجيدي و ألوانها القرميزية المخصوصة، هي طريقة تستبطن عادات التزيّي عند أبناء الشعب من عملة الرصيف و الفلاحين و الخماسة و الزوافرية و الزواولة.
سادسا : شغف الفوتوغرافيا هو ما لا يرى. أي ما لا يكشف عنه إطار الصورة. و اجتنابا لخوارق الاستسرارات الطيفية وفقه الخوارق يكون الشغف هنا تمرينا في توسيع الرؤية خارج اطار الصورة الفوتوغرافية, حيث رأس محمد علي الحامي كالمرجل مزدحم بالتجربة البرلينية المتلاطمة ودروس الاقتصاد السياسي و شهادات الثورة السبارتكية و أحاديث "النادي الشرقي " في رؤى المنتسبين لتركيا الفتاة و غلالات الفكر الإصلاحي والاستنهاضي و تشويش رؤى مشروع الأممية الإسلامية و الحذر من التورط في أحضان التنازع الاشتراكي والشيوعي و الفوضوي في النضال النقابي ...كل هذا الازدحام ما يفسر استنفار الرجل في نظرته الثاقبة و يدفعه نحو " التوحش التونسي " المتعالي على الهزيمة و الخسارات . لكأن حشد هذه الصور المزدحمة يكتنفها ضوء الصحراء ويمحوها كسرابات مصير مؤجل قد لا تقتنصه عدسة الكاميرا.
في الخارج سيتوافد الشهود من بني جلدته سيدلون بشهاداتهم ضد محمد علي الحامي و رفاقه فينيدوري و مختار العياري. في الخارج أيضا الطاهر الحداد سيكتب عن حلم محمد علي الحامي و عن جامعة عموم العملة التونسية حتى لا يموت الحلم , في الخارج أيضا أبو القاسم الشابي يمتح الشعر نازلا عليه كالرحيق العذب من أعالي مراقد الآلهة و هو يفكر في لبنات بيانه في "الخيال الشعري عند العرب " رغم عنت المتزمتين .
في الخارج أيضا يشرع الحبيب بورقيبة دراسته الجامعية في باريس تاركا ذكرى قبلة المسك على خشبة المسرح. في الخارج أيضا لا ينسى الناس جوائحهم و فواجعهم آخرها في اعدام الدغباجي سيد الرجالة صاحب العركة المرة . في الخارج أيضا تقيم السلطات الاستعمارية تمثالا للكاردينال لافيجري في مدخل المدينة العربية في باب بحر تمهيدا للمؤتمر الأفخرستي الذي سيقام بعد خمس سنوات . 
في الخارج أيضا سيواصل روبار لوزون Robert Louzon معركته مع نظام بلاده مدافعا عن القضية التونسية و الحركة العمالية التونسية في كراسات "الثورة البروليتارية ".
في الخارج أيضا تلميذ صغير في قرقنة في مدرسة القلابين اسمه فرحات حشاد يجتهد ويتهيأ لمصير عظيم. في الخارج أيضا يكور الخطاف ملهما كويرات الطين اللزج ليبني أعشاشه في أركان الدور وتحت القراميد. في الخارج أيضا هناك في الجنوب أطفال سمر يقطفون " اليازول", و هناك في الشمال القصي أطفال يعرفون منابت الخشخاش في حقول الربيع و مخابئ العسل البري في القواقع ... و في الخارج هناك و هناك عرق و حنق و دمع و دم و رعاف و شعر أخضر يهمهم به طفل في السهوب السرية بين الكاف و سليانة جندوبة اسمه عبد الرحماني الكافي ...
و في الخارج الموعود في بهرة الضوء بعد ثلاث سنوات في الصحراء، الصحراء العربية الحجازية بين مكة و جدة, سيرى محمد علي الحامي حشودا من الصور بعين الفهد الضاري و هو يسلم الروح ... المتأمل في نظرات عيون العياري و الحامي و فينيدوري ليست نظرات غياب لموتى إنها شيء آخر فوق الشهادة بقليل .
.......
عبد الحليم المسعودي