آراء حرة

هل للتربية الجنسية أهمية في الصحة والسلامة المهنية لدى العمال والعاملات الفلاحيين؟

الشعب نيوز / صبري الزغيدي - اشارت بعض البحوث في العالم ان التوازن الجنسي بين الرجل والمرأة له تأثيرات ايجابية على مواقع العمل، وان التربية او التوعية الجنسية السليمة سيعزز أيضا من ضمانات شروط حفظ الصحة والسلامة المهنية وايضا الوقاية من الامراض المهنية. 

هذا المبحث يلقي بظلاله على المهن الشاقة ومن بينها في اوساط العمال الفلاحيين، وهو قطاع اسال حبرا كثيرا جول ما يعانيه من مشاكل واستغلال بلغت حد فقدان الحياة بسبب غياب السلامة خلال تنقل العمال والعاملات الى مواقع او ما اصطلح تسميتها شاحنات الموت، فضلا عن الاستغلال في الاجور وفي ساعات العمل وتعاني ظاهرة التحرش الجنسي... 

في هذا المستوى حاولنا تسليط على الضوء على مسألة مهمة تمس مهنة شاقة كمهنة العمال الفلاحيين الا وهي التوعية الجنسانية والتربية الجنسية وعلاقتها بحفظ شروط الصحة والسلامة المهنية في اوساط العاملات والعمال الفلاحيين، وماهي اهم المشاكل الجنسية التي تعترض العاملة والعامل الفلاحي في تونس الذي يكدّ يوميا في الحقول والتي تعرقل عمله او تزيد من معاناته وتمنعه حتى من تحصيل أجره كاملا أو من تحقيق الانتاج والانتاجية، وهل ان الدولة متحملة مسؤولياتها في ضمان التربية الجنسية للعمال الفلاحيين وضامنه للنفاذ اليها؟ وهل انها مراقبة للاعراف في القطاع الفلاحي لمنع الاصابة بالامراض المهنية التي  قد ترتبط بالحياة الجنسية للعاملة والعامل. 

جهل بالتربية الجنسية 

 

منصف (45 سنة) رفض التصريح عن لقبه نظرا لأن الموضوع حسب اعتقاده محرج بما أنه سيخوض في مسائل تهم حياته الجنسية هو وزوجته.

منصف، عامل فلاحي في جهة المرناقية من ولاية منوبة له 5 أطفال، اكبرهم 16 سنة وأصغرهم 7 سنوات، يعمل في ضيعات وجقول الجهة منذ ان كان في سن الرابعة عشر من عمره بعد ان غادر مقاعد الدراسة.

واصل المنصف عمله الى ان تزوج من قريبته سنة 2006 وانجب ابنه الاول بعد عامين ثم توالت الولادات الى حدود الابن الاصغر الذي بلغ من العمر هذه السنة 7 سنوات، مع العلم ان زوجته تعمل معه في القطاع نفسه وتتنقل معه من حقل الى حقل ومن ضيعة الى ضيعة.

المنصف يتحدث عن اطفاله قائلا: "احب اطفالي وزوجتي حبا لا يوصف، فقد امسكت بزواجي منها لأنني احبها منذ كنت طفلا صغيرا، ومنذ  ان تزوجت لم افكر البتة في ان أحدد عدد الاطفال، فأنا في البداية كنت ارغب حتى في اكثر من 5 ابناء، الى ان تيقنت شيئا فشيئا المعاناة التي اعيشها حاليا، وانا المطالب بتوفير كل مستلزمات العائلة من اكل وشرب وتدريس وتنقل وملبس، في ظرف من الجفاف تعيشه البلاد من اكثر من ست سنوات".

لم يكن محدثنا مستشرفا، مثلما صرح "للشعب نيوز" ما ينتظره من ايام "عجاف" وهو الذي يعمل في قطاع هش لا يتوفر فيه الحد الادنى من الضمان الاجتماعي والتأمين الصحي وهو قطاع يعتبر بؤرة للاستغلال الفاحش من قبل الاعراف....وذلك تحت انظار الدولة.

فما من أحد من بعيد او من قريب تحدث معه عن تحديد نسل او تربية او توعية جنسية، قد يكون ذلك بحكم "الجهل الجنسي" في المناطق الريفية او الداخلية، دون ان ننسى انه "يحب ويعشق زوجته منذ ان كان طفلا"، بمعنى ان علاقتهم الجنسية كانت دائمة او متواصلة.

لكن هل كانت هناك حماية او تربية في العلاقة الحميمية بينه وبين زوجته؟

أجاب المنصف عن سؤال  إن كان يعلم بالواقي الذكري أو بحبوب منع الحمل او هل  اتصلت اي جهة صحية رسمية للحديث معه ومع زوجته عن مثل تلك الاشياء، فلم تخل اجابته من الابتسامة بالرغم من انها كانت اجابة صريحة : " في منطقتنا لم نكن نتحدث عن هذه الاشياء، ولم يتصل بنا اي احد ليفسر لنا مثل هئه الاشياء، فقط كنت مع اصدقائي  اثناء جلساتنا نتحدث فقط عن الواقي الذكري، الذي حقيقة كنا نمقته لأنه لا يحقق لنا المتعة الجنسية التي نسعى اليها".

 فمن الواضح ان في اوساط العمال الفلاحيين في تونس هناك جهل تام بالتوعية الجنسية وبأدوات كالواقي الذكري وحبوب منع العمل وبالامراض الجنسية، بسبب عدم تلقيهم اي نصائح اما من عائلاتهم او من الجهات الصحية الرسمية، وهو الموضوع الذي طرحته بعض من مكونات المجتمع المدني كمجموعة توجيدة بالشيخ، وهذا ما سيكون له تأثيرات على ادائهم المهني وعلى صحتهم وسلامتهم المهنية باعتبار ان الاب والام العاملة في العمل الفلاحي اللذين لهما عددا من الاطفال والتزامات عائلية سيواجهان الارهاق والتعب وايضا انواعا من الحوادث المهنية التي قد تسبب امراضا جنسية لما في ذلك العقم، فضلا عن غياب ثقافة الحق في الاجهاض، وهذا ايضا ما يمكن ان يؤدي الى فقدان مواطن شغلهم لأنهم حسب مشغليهم "الخارجين على القانون" لا يصلحون للعمل في قطاع شاق كقطاع الفلاحة. 

* تراجع خدمات الدولة حول التوعية الجنسية 

في  هذا المستوى بينت الاستاذة هادية بلحاج رئيسة مجموعة توحيدة بالشيح للشعب نيوز ان اخر احصاء في 2023 ساهمت فيه يونيسيف والمعهد الوطني للاحصاء اظهر ان هناك تراجع للوصول الى التنظيم الاسري ف 16.1 بالمائة من النساء لم يجدن المواد الخاصة بالتنظيم الاسري مقارنة بسنة 2010 التي بلغت وقتها النسبة بين 7 و 10 بالمائة. 

وتضيف محدثتنا أن حوالي 46 بالمائة من النساء المتزوجات ليس لهن اي نفاذ للتنظيم الاسري، فالنفاذ الى وسائل منع الحمل والاجهاض متعطل، ذلك ان عديد الحالات من النساء يشتكين من فقدان تلك المواد في مراكز الصحة الاساسية واساسا في المناطق الداخلية والارياف فضلا عن تواصل النظرة الرجعية لمسألة الاجهاض رغم انه مقنن في تونس، ورغم ان تونس تعتبر مثالا لحقوق المرأة. 

من ناحية اخرى، كشف تقرير الائتلاف المدني في تقريره الدوري الشامل حول التزامات تونس في احترام الحقوق الجنسية والانجابية مع المجلس العام لحقوق الانسان التابع للامم التوعوية حول الصحة الجنسية والانجابية بنسبة بنسبة 7.4%  كشف انه رغم ارتفاع الحملات وكان من المتوقّع أن تشمل 170 ألف مراهق وشابّ في سنة 2020، إلا أن الإحصائيات تشير إلى أنّ تحقيق النتيجة المنتظرة كان في حدود 66.4% وأنّ عدد المنتفعين تراجع إلى 28.7% ، كما ان الخدمات الصحيّة في مجال الصحة الجنسيّة والإنجابيّة الموجهة للمراهقين والشباب، فقد كان من المتوقّع أن تُنجز 55 ألف خدمة صحيّة في سنة 2020 وتحقيق نسبة تطوّر بــ 11.9% مقارنة بسنة 2019، لكنّ الإحصائيات تشير إلى تراجع بنسبة 30.5% . 

وبالنسبة للخدمات الطبية في مجال الصحة الإنجابية، فقد تم تسجيل 573573 خدمة سنة 2020 مقابل 852971 خدمة سنة 2019 (تراجع بــــــ 32.8%). وبالنسبة لخدمات تنظيم الأسرة فقد بلغت 283226 خدمة سنة 2020 مقابل 368580 خدمة سنة 2019 (تراجع بــ 36.6%) .

بالعودة الى الصديق المنصف العامل الفلاحي، فقد تساءل عن فائدة الذهاب الى مراكز الصحة الاساسية في جهته للسؤال عن فوائد الواقي الذكري او حبوب منع العمل، فهو اضافة الى عدم توفر الوقت لذلك لأنه يعمل ستة ايام في الاسبوع فإنه لا يتمتع هو وزوجته بأي وثيقة للضمان الاجتماعي او التأمين الصحي، وحتى ان اصابته علة او مرض او حادث او اصابه في العمل، فبموارده المالية الخاصة يذهب للعلاج هو وعائلته في اقرب مستوصف.

هذا الامر اصبح عاديا في قطاع هش كقطاع العمال الفلاحيين الذين يعملون لدى سماسرة يستغلون عرقهم  ويتجاهلون امور الصحة والسلامة المهنية، فالمرأة العاملة في عادتها الشهرية، او المرأة المرضعة او المرأة الام يجب ان تتحلى يوميا بالقوة  والصلابة حتى يمكنها العمل او انها ستجد نفسها في البيت بلا اجرة، وأي أجرة ...15 دينار في اليوم ولأكثر من 12  ساعة فضلا  عن المخاطر المحدقة بهم وعلى رأسها شاحنات الموت...

 

يتنهد المنصف قائلا:" لو كنت مقتنعا في الوقت المناسب بمواد منع الحمل، ولو كانت لي ثقافة جنسية في العلاقة الحميمية مع زوجتي لما كانت ظروفنا كالتي نعيشها اليوم، 5 اطفال ومصاريفهم ومستلزماتهم، كما ننظر للامر من خلفية رغبتنا وحب وعشق بعضنا البعض، وماذا تقول امام موضوع كهذا لا يمكن الحديث فيه لا مع طبيب او مع قابلة او حتى مع اي أحد من افراد العائلة، فهذه المواضيع ممنوع الخوض فيها في عائلتنا".

توصيات لابد منها

في هذا السياق بينت الاخت هالة السنوسي الكاتبة العامة للنقابة الاساسية لمركز التوليد وطب الرضيع في حديث للشعب نيوز ان هناك انعدام للعدل في توزيع الخدمات في التوعية الجنسية وفي الصحة الانجابية في المناطق الداخلية والريفية، والمرأة في هذه المناطق لا تتمتع الا باخصائي وحيد وهي القابلة الموجودة على كامل تراب الجمهورية،  بالرغم من مجهودات النقابيات والنقابيين في اختصاص القابلات اللاتي يحاولن تقديم خدمات الارشاد والتوجيه في خدمات التوعية الجنسية والاستشارات الجنسية والانجابية .

الاخت هالة السنوسي اكدت في حديثها للشعب نيوز ان التوعية الجنسية لا بد ان تكن متاحة للجميع بمختلف فئاتهم الاجتماعية والثقافية بما فيهم العاملات والعاملين بقطاع الفلاحة ، والعاملات بهذا القطاع لابد ان يتمتعن بكل الحقوق الجنسية، والغاية من ذلك حسب محدثتنا انجاح خطة التنمية لسنة 2030، والمرأة العاملة في هذا القطاع بعيدة عن المواقع المقدمة للخدمات الصحية والتوعية الجنسية وعليه لابد من التعريف بهذه الخدمات بتقديمها الى مستحقيها في المناطق التي يصعب الوصول اليها.

محدثتنا قالت إن ذلك هو الاجتهاد والسعي وراء تحقيق اهداف هطة التنمية، ولفتت الى وجوب توفير كل الخدمات الصحية ومنها الارشاد والتوجيه والتربية الجنسية للنساء العاملات والكادحات المنشغلات بتوفير لقمة العيش في ظروف قاسية بهدف البلوغ الى الرفاه البدني والمتعلقة اساسا بالجهاز التناسلي .

 

واكدت الاخت هالة السنوسي ان ذلك امر مهم لتكون حياتهن مرضية وامنة وهو ما ستكون له تداعيات ايجابية ونافعة على السرة والمجتمع، باعتبار ان المرأة العاملة في القطاع الفلاحي لها الحق في التوعية والارشاد والعلاج وهذه الحقوق تتمثل في اتخاذ القرار بشأن الانجاب او عدمه وموعده وعدد مراته وتمكينهن من الوصول الى وسائل منع الحمل الامنة والفعالة مجانا باعتباره ان ذلك حقها في التنظيم العائلي وتحديد النسل .

 

والمرأة العاملة في القطاع الفلاحي لها الحق ايضا في التثقيف الصحي والتوعية وذلك لتبصيرها وتمكينها من حماية نفسها من حالات العدوى المنقولة جنسيا مثل السيلان من خلال الاتصال الجنسي ومن خلال الام الى الجنين عند الولادة، او مرض الزهري الذي هو من الامراض التناسلية المعدية والذي يتسم بظهور تقرحات تناسلية والتهابات الكبد او نقص المناعة المكتسبة السيدا، وكل ذلك يتطلب التثقيف والعلاج .

 

بالتالي فهذا هو المطلوب من مقدمي الخدمة الصحية التي تعتبر مسؤوليتهم ومنهم اطارات الخط الاول وفي مقدمتهم القابلات باعتبارهن الاقرب والاسرع في تقديم خدمات التوعية الجنسية الشاملة في كل الميادين والقطاعات، ومنها الخوض وتقديم النصيحة والتربية الجنسية في مواضيع مسكوت عنها ومحرمات كالعنف الجنسي.

 

توصيات المجتمع المدني 

ائتلاف منظمات المجتمع المدني اوصى في تقريره حول مدى التزام تونس لتوصيات المجلس العام لجقوق الانساسن بشأن التوعية الجنسية بجعل الوصول إلى الخدمات الطبيّة أكثر إنصافا و توسعة نطاق التغطية الصحيّة لتشمل مليوني (2) شخص لا يتمتعون بأي نظام تغطية و  تقليص الفوارق وعدم المساواة في توزّع الاختصاصات الطبيّة بين الجهات و إشراك المجتمع المدني في وضغ وتقييم السياسة الوطنيّة للصحّة.

 

كما اوصى المجتمع المدني بتنفيذ الإستراتيجيّة الوطنيّة متعددة القطاعات للوقاية والحدّ من الأمراض غير السارية 2021-2025 وادراج الصحة الجنسية والإنجابية ضمن أولويات جدول الأعمال الوطني وإلغاء العراقيل التي تحول دون الحصول على الرعاية الصحية الجنسية والإنجابية، بما في ذلك صحة الأم ومنع الحمل والإجهاض، علاوة على إعادة تفعيل الاستراتيجية الوطنية المتعددة القطاعات لصحة الأم والطفل 2019-2023 وإعداد خطة تنفيذية لتحقيق أهداف هذه الاستراتيجية وإنهاء حالات وفيات الأمهات التي يمكن منع حدوثها والحد من وفيات حديثي الولادة عبر توفير الموارد الماليّة والبشريّة اللازمة.

 

صديقنا المنصف انهى لقاءه بالقول انه مهما حدث فسيكون راعي زوجته وابناءه وسيعمل بكد من اجل توفير رغيف الخبز في انتظار ان تلتفت الدولة الى قطاع انهكه الاستغلال الفاحش وشاحنات الموت وتجاهل الضمان الاجتماعي والتأمين الصحي والاجر المحترم واحترام شروط حفظ الصحة والسلامة المهنية.